ابن أبي الحديد

73

شرح نهج البلاغة

قال أبو جعفر : وقد روى أن معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتى يروى أن هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب : ( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام * وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد ) ( 1 ) ، وأن الآية الثانية نزلت في ابن ملجم ، وهي قوله تعالى : ( ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله ) ( 2 ) ، فلم يقبل ، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل ، فبذل له ثلاثمائة ألف فلم يقبل ، فبذل له أربعمائة ألف فقبل ، وروى ذلك . قال : وقد صح أن بنى أمية منعوا من إظهار فضائل علي عليه السلام ، وعاقبوا [ على ] ذلك الراوي له ، حتى إن الرجل إذا روى عنه حديثا لا يتعلق بفضله بل بشرائع الدين لا يتجاسر على ذكر اسمه ، فيقول : عن أبي زينب . وروى عطاء ، عن عبد الله بن شداد بن الهاد ، قال : وددت أن أترك فأحدث بفضائل علي بن أبي طالب عليه السلام يوما إلى الليل ، وأن عنقي هذه ضربت بالسيف . قال : فالأحاديث الواردة في فضله لو لم تكن في الشهرة والاستفاضة وكثرة النقل إلى غاية بعيدة ، لا نقطع نقلها للخوف والتقية من بنى مروان مع طول المدة ، وشدة العداوة ، ولولا أن لله تعالى في هذا الرجل سرا يعلمه من يعلمه لم يرو في فضله حديث ، ولا عرفت له منقبة ، ألا ترى أن رئيس قرية لو سخط على واحد من أهلها ، ومنع الناس أن يذكروه بخير وصلاح لخمل ذكره ، ونسي اسمه ، وصار وهو موجود معدوما ، وهو حي ميتا ! هذه خلاصة ما ذكره شيخنا أبو جعفر رحمه الله تعالى في هذا المعنى في كتاب التفضيل . * * *

--> ( 1 ) سورة البقرة 204 ، 205 ( 2 ) سورة البقرة 207